أبي بكر الكاشاني
228
بدائع الصنائع
في قول أبي حنيفة حتى لا تطلق زوجته وقال أبو يوسف يصح وتطلق زوجته وجه قول أبى يوسف أن الرجل لا يحتمل الطلاق ألا ترى أنه لو قال لامرأته أنا منك طالق لم يصح فصار كما إذا جمع بين امرأته وبين حجر أو بهيمة وقال إحداكما طالق ولأبي حنيفة ان الرجل يحتمل الطلاق في الجملة ألا ترى أنه يحتمل البينونة حتى لو قال لامرأته أنا منك بائن ونوى الطلاق يصح والإبانة من ألفاظ الطلاق فان الطلاق نوعان رجعي وبائن وإذا كان محتملا للطلاق في الجملة حمل كلامه على الاخبار كما إذا جمع بينها وبين أجنبية وقال إحداكما طالق ولو جمع بين امرأته وبين امرأة ميتة فقال أنت طالق أو هذه وأشار إلى الميتة لم تصح الإضافة بالاجماع حتى لا تطلق زوجته الحية لان الميتة من جنس ما يحتمل الطلاق وقد كانت محتملة للطلاق قبل موتها فصار كما لو جمع بينها وبين أجنبية والله عز وجل الموفق وأما الجهالة الطارئة فهي أن يكون الطلاق مضافا إلى معلومة ثم تجهل كما إذا طلق الرجل امرأة بعينها من نسائه ثلاثا ثم نسي المطلقة والكلام في هذا الفصل في موضعين أيضا أحدهما في بيان كيفية هذا التصرف والثاني في بيان أحكامه أما الأول فلا خلاف في أن الواحدة منهن طالق قبل البيان لأنه أضاف الطلاق إلى معينة وإنما طرأت الجهالة بعد ذلك والمعينة محل لوقوع الطلاق فيكون البيان ههنا اظهارا أو تعيينا لمن وقع عليها الطلاق وأما الأحكام المتعلقة به فنوعان أيضا على ما مر أما الذي يتعلق به في حال حياة الزوج فهو أنه لا يحل له أن يطأ واحدة منهن حتى يعلم التي طلق فيجتنبها لان إحداهن محرمة بيقين وكل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المحرمة فلو وطئ واحدة منهما وهو لا يعلم بالمحرمة فربما وطئ المحرمة والأصل فيه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لوابصة بن مجد الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك ولا يجوز أن تطلق واحدة منهن بالتحري والأصل فيه أن كل ما لا يباح عند الضرورة لا يجوز فيه التحري والفرج لا يباح عند الضرورة فلا يجوز فيه التحري بخلاف الذكية إذا اختلطت بالميتة أنه يجوز التحري في الجملة وهي ما إذا كانت الغلبة للذكية عندنا لان الميتة مما تباح عند الضرورة فان جحدت كل واحدة منهن أن تكون المطلقة فاستعدين عليه الحاكم في النفقة والجماع اعدى عليه وحبسه على بيان التي طلق منهن والزمه النفقة لهن لان لكل واحدة منهن حق المطالبة بحقوق النكاح ومن عليه الحق إذا امتنع من الايفاء مع قدرته عليه يحبس كمن امتنع من قضاء دين عليه وهو قادر على قضائه فيحبسه الحاكم ويقضى بنفقتهن عليه لان النفقة من حقوق النكاح فان ادعت كل واحدة منهن أنها هي المطلقة ولا بينة لها وجحد الزوج فعليه اليمين لكل واحدة منهن لان الاستخلاف للنكول والنكول بذل أو اقرار والطلاق يحتمل البذل والاقرار فيستحلف فيه فان أبى أن يحلف فرق بينه وبينهن لأنه بذل الطلاق لكل واحدة منهن أو أقر به والطلاق يحتمل كل واحدة منهن وان حلف لهن لا يسقط عنه البيان بل لابد أن يبين لان الطلاق لا يرتفع باليمين فبقي على ما كان عليه فيؤخذ بالبيان وروى ابن سماعة عن محمد أنه قال إذا كانتا امرأتين فحلف للأولى طلقت التي لم يحلف لها لأنه لما أنكر للأولى أن تكون مطلقة تعينت الأخرى للطلاق وضرورة وان لم يحلف للأولى طلقت لأنه بالنكول بذل الطلاق لها أو أقر به فان تشاحنا على اليمين حلف لهما جميعا بالله تعالى ما طلق واحدة منهما لأنهما استويا في الدعوى ويمكن ايفاء حقهما في الحلف فيحلف لهما جميعا فان حلف لهما جميعا حجب عنهما حتى يبين لان إحداهما قد بقيت مطلقة بعد الحلف إذ الطلاق لا يرتفع باليمين فكانت إحداهما محرمة فلا يمكن منها إلى أن يبين فان وطئ إحداهما فالتي لم يطأها مطلقة لان فعله محمول على الجواز ولا يجوز الا بالبيان فكان الوطئ بيانا أن الموطوءة منكوحة فتعينت الأخرى للطلاق ضرورة انتفاء المزاحم كما لو قال إحداكما طالق ثم وطئ إحداهما وإذا طلق واحدة من نسائه بعينها فنسيها ولم يتذكر فينبغي فيما بينه وبين الله تعالى أن يطلق كل واحدة منهن تطليقة رجعية ويتركها حتى تنقضي عدتها فتبين لأنه لا يجوز له أن يمسكهن فيقر بهن جميعا لان إحداهن محرمة بيقين ولا يجوز له أن يطأ واحدة منهن بالتحري لأنه لا مدخل للتحري في الفرج ولا يجوز له أن يتركهن بغير بيان لما فيه من الاضرار بهن بابطال حقوقهن من هذا الزوج ومن غيره